انسان جميل

admin 11 سبتمبر, 2017 4٬675 تعليق البصمة 28146 Views


يمسك الصبي الأسمر البقرة لوالدته كي تحلبها وينظف الحظيرة ( الزريبة) ويجلب حزمة الحشيش او القت لحيواناتها
لقد تعود احمد مساندة أمه وخدمتها وهذا ما ألفه أغلب الا فراد في تلك البيئة وما ربت العائلات أولادهم عليه في ذلك الوقت ، وخاصة في عائلة احمد التي تعودت غياب الأب لفترات طويلة .
هكذا بدأت سيرة ذلك الفتى الأغر ، الذي ما فتأت الحياة تأخذ منه فيعطيها اصراراً و مثابرة ، تعود حمل المسؤولية والاعتناء بأمه واخواته واستمر في لعب هذا الدور وحتى اعتاد الاخرين منه ذلك ، كانت تقول احمد اكثر اولادي مشاكسة وجدالاً ، لكنه اكثرهم لي عاطفة ونفعاً .
هكذا فهم الحياة مسؤولية واعتناء بمن حوله . اشتغل بتجارة الملح والخضار بين الديرة وقرى القطيف ، ثم التحق بالفرضة ، وعمل في اعمال البناء اثناء تشييد مستشفى أرامكو ، عمل بكد في تلك الظروف الصعبة من ارتفاع درجة الحرارة وعدم توفر حتى الماء لهم ، وكان يكسب الكثير ولكن بسبب حجم مسؤولياته وخاصة بعد غياب ابيه عن البلاد أثر خلافه مع بعض التجار مما تسبب برهن بيته وتهديد آمن عائلته ، مما اضطره لشراء بيت جديد وبكرم وايثار تعود عليه.
وكعادتهم في تلك الأيام تزوج صغيراً من احدى قريباته والتي لا تقل عنه مروءة وطاقة محبة ونقاء وكأنما انطبقت عليهما مقالة وافق شن طبقة . كانت تلك المرأة الصالحة أهم المكا فأت التي حظي بها في الحياة لتكون فيما بعد أهم أسبابه ابتلاءاته ، كانت جوهرة نفيسة ، شخصية ثابتة وحضور آخذ ، ودود ولود ، حضن دافئ للولد ، أحاطت بعائلتها واحتوت الزوج وشدت عضده ، احتملت القلة وأحسنت تدبير حاصل كده وتعبه ، كانت له الرفيقة التي يحلم بها أي انسان ، كانت تلك العلاقة الدافئة وقود لقلبه المنهك وشداً لعضده المكافح ، كانت بلسم لمتاعبه ، أحبها الجميع قريباً وبعيداً ، تركت اثراً لا ينسى في ذكريات رفيقات عمرها بصفاء سريرتها و تلك الابتسامة الوادعة التي تعلو محياها .
كانت اياماً من النعيم تلك التي تقاسمها، راحا يبنيان معا تلك العائلة الصغيرة مع تلك الإمكانيات المتواضعة والقلوب الدافئة بالمحبة والعاطفة والطمأنينة والرضا .

راحت تلك القبضة السمراء القوية تشتد أكثر لتشيد الكثير من بيوتات المنطقة لتصنع الجمال والدقة وساهمت في اعمال التشطيب في مطار الظهران الدولي وسكن أرامكو وكانت اعمال مقاولات البناء في أوجه . فعمل رائج وخير كثير وزوجة راضية مدبرة وبيت صغير امتلئ بسرعة من الصبيان والبنات مما زاد الشاب الأسمر عزماً وقوة للعناية بعائلته وإسعادها. ولكن هذه الأيام لم تكن طويلة وكعادتها لابد أن تذيقك مرها وكما قال الامام علي سلام الله عليه في فراق حبة قلبه و خليلة روحه والذي يردده دائماً مسلياً نفسه.
لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الفراق رحيل
وأن افتقادي فاطماً بعد أحمد دليل على أن لا يدوم خليل
تشتكي الودود الولود تلك الليلة وهي تحمل خبراً جديد فيحملها مسرعاً الى مشفى خارج البلدة لتحصل على أحسن رعاية ممكنة في تلك الأيام ، وهو من لا تعييه الوسائل للعناية بمن يحب ، تمسك بيده وهو يهم بالخروج قائلةً : لا تتركني وكأنها تتلمس أخر اللقاء ، فيودعها قائلاً : لا أستطيع ترك أولادنا لوحدهم ، ولو كان يعلم ما تركها.
يرجع لها بشوق فيأتيه الخبر مزلزلاً، انتهى عهدك بالهناء واستعد لسني الشقاء. ليس أنك فقدت مددك من المحَنة والمحبة، بل وايضًا سيثقل كاهلك بعائلة من اربعة أولاد و3 بنات وصرت اليوم مصدر آمنهم وسكنهم الوحيد.
رعى تلك العائلة المكلومة بالقوت والعاطفة واعتنى بها بكل طاقته وأكثر.
يا لك من رجل تعودت مقارعة الخطوب لكن هذه أشدها وأقساها.
والحياة كعادتها راحت تغرس أنيابها أكثر في قلب ذلك المحارب، فيفقد احد أبنائه غرقاً، وكأنه لم يستطع الاستمرار بدونها فرحل سريعاً ملتحقاً بها وحسناً فعل ، و لسان حال أبيه يقول لم أستطيع مساعدة أمك وها أنا ذي لا أستطيع الحفاظ عليك بعدها .
زادت الأعباء والتناقضات على صاحب القلب الجميل ، فقد اضطر للزواج مرة أخرى ، فزادت حجم عائلته وأدخلته الأيام في حيص بيص فمع زيادة العبء وتناقص موارد الرزق في تلك الفترة ، وبينما احتاج الوقت للبحث عن مصادر رزق بديلة ، احتاج المزيد منه للحضور والعناية بأسرته الذين تدرجت أعمارهم وتنوعت حاجاتهم.

 

ما أجملك من أب وأنت ترقد على بلاط المشفى لتصحب احد ابنائك وهو يتلقى العلاج فقد كان لك مع أروقة المستشفيات شوطاً تناوب فيه اولادك وبناتك على الدخول والخروج مما استهلك الكثير من رزقك المحدود وسني عمرك.
اليوم مازال الشيخ الأسمر وعمره يتجاوز السبعين خريفاً أخذوا منه بقسوة ، لا ينفك يتابع دراسة ابنته الصغيرة ويسعى لرفع معنوياتها لتقديم الامتحانات، حتى أنه يهتم بالتفاصيل مثل ديكور غرفتها ومتابعة الأمور عن قرب معها، حتى أنه يسعى للحصول على نتيجتها مباشرة بالوقوف على أبواب مدرستها وكأنها أول أولاده وليست خاتمة العقد.
كل يوم يمر يكبر فيه أولاده ويخف عنه العبء الذي أثقله يتنفس الصعداء، ولكن ليسوا وحدهم من يكبر، بل هو ايضًا يكبر وتأخذ الهموم منه مأخذ، وكبر ايضًا أبويه اللذان ما برح يراعاهما بحنو وقرب فلم يسمح لثقل اعبائه أن يكون ذريعة ليتخفف منهم، فلهم دائمًا وقتهما الخاص ففي الصباح يأتي حاملاً معه الفطور وفي المساء حين ينتهي من الصلاة يأتي للاطمئنان عليهما.
كانت أمه تلك المخلوقة الحانية القوية والتي مسكت بيده في خطواته الأولى وبدأ مسار حياته برفقتها أول من استسلم، قام برعايتها خلال فترة مرضها فزارها يومياً ولمدة أشهر وهي في غيبوبتها ولعلها لا تدرك من أتى ومن لم يأتي. حتى جاءت الساعة الحتمية فيكون هو من يمسك بها وينزلها في لحدها ليقرأ عليها الوداع الأخير.
تركت ذلك العجوز وحيداً وهل هناك أصعب من الوحدة لتفت من عضد ذلك الرجل (جميل القلب والقالب )
( الاباظاي) الذي تعود هو الرحيل طويلاً وبعيداً معتداً بصلابته و قوته وشدة صبره ومعتمداً على امرأة صبورة وولداً ضرب في البر أعذب الحانه ، حتى اذا هي رحلت لم يعد لأي شيء معنى ، مرت الأيام ثقيلة وكئيبة و هو الذي لم يتعود الشكوى ، فراح يتداعى سريعاً لتتلاقاه يدي ذلك السبعيني الأسمر والذي بدأت تحفر في قلبه وقسماته وهيئته امارات السنون القاسية ، لكن هذا لم يمنعه من العناية بذلك العجوز واعتبر أن هذه مسؤوليته هو بالرغم أن أبيه ترك عائلة ممتدة ما شاء الله . وهو الذي عانى كثيراً بسبب اختلاف اسلوبهما في إدارة الأمور ، فوقف بجانب أبيه لتصحيح الكثير من العثرات التي تسببت بها طيبته الجميلة وثقته الزائدة بكل من يتعامل معه ودول الأيام التي أخذته بعيداً عن عائلته لسنون
يحضر ليلاً من عمله وقبل الذهاب الى بيته ليحمل والده بمساعدة من معه فيحممه ويشرف على اطعامه.

يعارضه أبنائه للسفر وهو الكاد الكادح ليروح عن نفسه ، فيعترض لن أترك أبي أبدا، لكن هناك غيرك فيرد: وأن .

ماذا عساي أن أقول عنك أيها القلب المحب ، الأب الذي يذوب حناناً وعطاءً ، المناضل الدؤوب الذي لا يلبث أن يقفل في وجهه باب ليطرق اخر ليبحث عن اخر والابن البار والمتفاني لكل من أحببت ، والضمير الحي الذي لا يتوانى عن حمل مسؤولياته بصدر رحب يسع الجميل افراد عائلته الصغيرة والممتدة فهو حاضر دائماً لأولاد أخواته وبناتهم يتفقد الضعيف والقوي الكبير والصغير ، لا يسعه أن يجد أحد منهم في حاجة حتى يبادره ويقف بجانبه معنويا ومادياً أن استطاع و مازال يتفقد بني عمومته وقراباته بالمودة والرحمة حتى أن بعضهم لا يبادله الامر لكنه لا يبالي ، فهو وخلافا للجميع لا يعمل لطلب المقابل هو يقدم ما يؤمن ويحس به فقط .
أيها الزوج الوفي فجرحك قضى فيك أربعة عقود وآلمك لم يبارحك، فلم تفقد فيها الزوجة بل فقدت العش الهانئ والسكن والدفء، فقدت اخر عهدك بالألفة والمودة، لم تزل تذكرها كل يوم، تذكرها في ذلك الثوب الأخضر الزاهي فهي كانت خضرة هذا البيت وبركته ، وتلك الابتسامة الحانية التي تودعك بها كل صباح وتستقبلك بها مساءً ورائحة خبزها الساخن وتلك الأحاديث الدافئة التي جملت أيامكما.

هل ملكت من البداية قلب شاعر أم هو فعل الخطوب بفؤادك الجميل أيها المحدث الفطن، لا يمل مجلسك، فأنت مملوء دائما بما يسر جلسيك من مأثور بيوت القصيد او الفكاهة والقصة والعبرة والتجربة المثيرة، لا يفرغ جرابك، كيف جمعت لك هذه القدرة الحسابية والحافظة المدهشة وأنت الذي لم تزور مقاعد الدرس الا متأخر في إصرار رائع على التعلم.
لقد عشت تناقضاً غريباً، كلما قست عليك الأيام بالفقد والوجد ازدادت فيها ايماناً بأن الله مددك وعونك وتطلعًا للأفضل وحماساً للعطاء لا أدرى اهو هذا الكرم الداخلي الذي ولدت به ففاض منك رعاية واهتماماً لكل من حولك، حتى لو قابلك الاخرون بالجحود والنكران والإهمال والقسوة ، قلت الموارد فتعددت المواهب تجارة وزراعة واعمال بناء وفنون عمران ،ومددت يديك لمن طلبها ومن لم يطلبها، للصغير والكبير، للقريب والغريب، ما أحلى روحك وأنت تعطف على العامل الضعيف وتكرم البنت وترسم البسمة على ثغر الصغير.
شغلتك اعبائك فوجدت نفسك وحيداً تقارعها فشغلت بقضاء حوائج الاخرين وشاركت الجميع افراحهم وأحزانهم، فلا يكاد مجلس عزاء او فرح يفقدك، قابلت الألم بالأمل والفقد بالحب والجحود بالعطاء، القلة بكرم ذات اليد، الضيق بالابتسامة والفكاهة، لازلنا نتعلم منك كل يوم ولا نطاولك ،أنت بحق انسان جميل.
يالله صباح المبارك نسأله دايم
من فضل جودك يامعبود يادايم
ان شاء الله نزور النبي ونفوز به دايم
والعمر قدر ولا ادري يامتى اخره والناس تفنى ولا يبقى الا وجهك ياحي يادايم                                                                                                                                                               

4٬675 رد على “انسان جميل”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Gornan Wordpress News Theme By Hogom Web Design